ملخص البحث المقدم في الندوة التمهيدية لمؤتمر “لاهوت المقاومة” في كلية اللاهوت بجامعة فردوسي مشهد
محمد فنائي أشكوري
✅ تمتلك الفتوة، كنظام أخلاقي-اجتماعي، جذورًا عميقة في طبقات التاريخ الحضاري البشري. يمكن تتبع منابع هذا التيار الفكري في تقاليد إيران القديمة والأديان الشرقية العتيقة، كما في تعاليم الأديان الإبراهيمية وسيرة الأنبياء السماويين. في سياق التاريخ الإيراني، لعبت مفاهيم كـ”الفتوة” و”العيارة” و”الرجولة” و”البطولة” – بوصفها تجليات ملموسة لآداب الفتوة – دورًا محوريًا في البنى الاجتماعية والثقافية.
وصل تطور هذه السنة إلى منعطف تاريخي مع ظهور الإسلام ودمجها بمفاهيم التوحيد. قدم النبي محمد (ص) “سيد الفتيان” والإمام علي (ع) بوصفه “شاه مردان” (سيد الرجال) و”قطب دائرة الفتوة”، نماذج فريدة لترسيخ مبادئ الفتوة في المنظومة الإسلامية. أدى هذا التكامل إلى تأصيل الفتوة في الخطاب الشيعي وتقوية أسسها الاجتماعية.
من القرن الثاني الهجري، عزز ارتباط الفتوة الوثيق بالتصوف بُعدها الروحي وحوّل التصوف إلى مؤسسة اجتماعية.
بحسب نصوص “الفتوتنامات” (کتب الفتوة)، يتميز الفتى المثالي بجمع فضائل فردية (كالإيمان والشجاعة والكرم والتضحية) مع المسؤولية الاجتماعية. لا تقتصر الفتوة هنا على الكمالات الباطنية، بل تشمل النضال ضد الأنظمة الظالمة ودعم المهمشين والثبات في إحقاق الحق وإرساء العدالة. رأى عُبّاد الفتوة أن سلوك الفتوة وخدمة الخلق طريقٌ تكاملي للوصول إلى الكمال الوجودي والقرب من الله، عبر الجمع بين المراقبة الروحية والالتزام بالشريعة.
تشهد الدراسات التاريخية على أدوار جماعات الفتيان الفاعلة في تشكيل خطاب إنساني في المجتمعات الإسلامية، مثل مقاومة ظلم الأمويين والعباسيين، والتصدي للغزو المغولي، وإنشاء مؤسسات الإحسان الاجتماعي.
لكن منذ القرن العاشر الهجري، أخذ نفوذ الفتوة السياسي والاجتماعي في التضاؤل.
يمكن اعتبار الثورة الإسلامية الإيرانية نقطة تحول في إحياء خطاب الفتوة المعاصر، عبر إعادة تعريف قيم الفتوة لتحقيق عدالة اجتماعية وإحياء الروحانية في ثلاثة مستويات محورية:
أولاً: النضال ضد الاستبداد الداخلي،
ثانياً: المواجهة مع الهيمنة العالمية ونظام السيطرة،
وثالثاً: السعي لبناء حضارة إسلامية جديدة ترتكز على العدالة والروحانية والخير العام.
هذا التحول أدت هذه الإحيائية إلى ظهور جبهة المقاومة الإسلامية ككيان إقليمي شامل، ضمّ تنظيمات كحزب الله وحماس من لبنان وفلسطين إلى العراق واليمن.
من منظور تاريخي-اجتماعي، تمثل جبهة المقاومة المعاصرة امتدادًا منطقيًا لسنة الفتوة في العصر الجديد. فالتكامل بين التزكية الأخلاقية والمسؤولية المجتمعية، والعدالة العابرة للحدود، والتصدي للاستكبار العالمي والصهيونية الغازية، تعكس نفس المثل الفتوتية التقليدية.
كما أن التضحية بالنفس والمال في سبيل المثل الإلهية والإنسانية، والربط الوثيق بين الروحانية والجهاد، والاهتمام بالخدمات العامة، تجسّد استمرارية نموذج “الفتى العارف المُصلح المُجاهد” في خطاب المقاومة، الذي تمثله شخصيات كقائد المقاومة السيد حسن نصر الله والشهيد قاسم سلیمانی و الشهید يحيى السنوار.
هذا الامتداد التاريخي-الثقافي لا يُظهر قدرة الفتوة كنموذج حي على مواجهة تحديات العصر فحسب، بل يشهد لدور الثورة الإسلامية التجديدي في تحويل التقاليد المحلية إلى رأس مال اجتماعي لإعادة بناء الهوية الجمعية في العالم الإسلامي.
إن استدامة هذا الخطاب رهينة بثلاثة أسس:
1- فهم متطلبات الزمن كشرط للتكيّف.
2- اعتماد الحكمة الاستراتيجية محورًا للفعل الاجتماعي.
3- تجنب الأحادية والانزلاق نحو التطرف أو الإفراط فكرًا وممارسة.
للاطلاع أكثر، راجع كتاب: “حكمة وحكاية الفتوة” للدکتور محمد فنائی اشکوری.