التاريخ مرآة للاعتبار ومصباح للهداية. من خلال النظر إلى تاريخ الغرب منذ ظهور اليهودية والمسيحية حتى اليوم، يمكن تعلم دروس قيمة.
الأديان الإلهية ظهرت لإحياء التوحيد، وإزدهار الروحانية، ونشر الأخلاق، وإنقاذ الإنسان من ظلمات الجهل وعبودية هوى النفس. الأنبياء والأولياء الإلهيون والمؤمنون الصادقون قدموا التضحيات والبذل من أجل الحفاظ على الدين ونشره، ولكن للأسف، مع مرور الزمن، هددت آفَتان كبيرتان هذه الأديان: تحريف النصوص وفهم خاطئ لتعاليم الدين من جهة، وعدم التزام العديد من أتباع الأديان بتعاليم الدين عمليًا واستغلال المؤسسات الدينية لمكانتها المقدسة من جهة أخرى. الأديان السماوية، التي جاءت لإصلاح البشرية وتنميتها وتحريرها من عبودية النفس والقضاء على الظلم، وقعت أسيرة في أيدي المنحرفين وأتباع الأهواء.
التحريف المتعمد أو الفهم الخاطئ للنصوص المقدسة، والأهم من ذلك، السلوكيات غير المتسقة مع الأخلاق الدينية من قبل المدعين بالقيادة الدينية، شوهت وجه الدين.
تاريخ الإسلام أيضًا لم يسِر على الطريق الذي رسمه رسول هذا الدين السماوي العظيم. فهم العديد من المدعين بمعرفة الدين للدين وسلوك الحكام الذين استولوا على السلطة في العالم الإسلامي، من خلفاء بني أمية وبني العباس إلى الملوك والمستبدين المتأخرين، كان في تعارض صريح مع تعاليم الإسلام وسنة النبي.
هذا الاتجاه المنحرف غذّى النفور من الدين والعداء له، وأثار العلمانية كبديل مخادع؛ أسطورة زعمت أن العقل والعلم بلا دين هما المنقذ النهائي للبشرية، لكن ما حدث عمليًا كان الشكوكية واللاأدرية في مجال النظر، والابتعاد عن الأخلاق والروحانية في مجال العمل.
الغرب الحديث، برفضه للدين واعتماده على العقل الأداتي، وعد بجلب الحرية والمساواة وحقوق الإنسان. لكن اليوم، على الرغم من التقدم الذي تحقق في بعض الجوانب الظاهرية لحياة البشر، نشهد أزمات تهديدية غير مسبوقة، مثل أزمات الأمن والبيئة والأخلاق والأسرة وأزمات الظلم وانعدام المعنى.
في عصر الاستعمار، احتلت القوى المهيمنة الأراضي، وقامت بقتل شعوب أخرى، ونهبت ثرواتهم ومواردهم، وفرضت ثقافتها عليهم. واليوم، على الرغم من شعاراتها الإنسانية، تواصل هذه القوى المهيمنة القتل والنهب والفرض بأشكال أخرى. الولايات المتحدة تشن الحملات العسكرية أينما تشاء وتغتال من تريد، والنظام الصهيوني، بدعم مطلق من أمريكا وأوروبا، يرتكب أبشع الجرائم في التاريخ من خلال احتلال أرض فلسطين والإرهاب والإبادة الجماعية. العديد من الدول التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان تدعم هذه الفظائع أو تكتفي بالصمت أمامها على الأقل، ضحّيةً بجميع القيم من أجل مصالحها الاقتصادية.
هذا التناقض الواضح يثبت أن العقل المنفصل عن الوحي يخضع في النهاية لعبودية السلطة والثروة، والعلم المنقطع عن الأخلاق والروحانية، بدلاً من إنقاذ البشرية، يخلق الأزمات، وحقوق الإنسان بلا إله تصبح أداة لتبرير الظلم.
الدرس الذي يجب تعلمه هو أن مشاكل البشرية وأزماتها لا تنبع من الدين، بل من تحريف الدين في مجال الاعتقاد وعدم الالتزام به في مجال العمل.
العجز عن التفريق بين تعاليم الدين الأصيلة وما حدث في فكر وممارسة العديد من المدعين بالتدين أدى إلى استنتاج خاطئ بأن الدين والتدين غير متوافقين مع العقل والتجربة البشرية، وأنهما سبب الأزمات، وأن التحرر منهما هو طريق النجاة؛ بينما الأديان الإلهية لم تأت لنفي العقل والتجربة البشرية، بل لتوجيههما نحو الحقيقة.
نجاة البشرية تكمن في إعادة قراءة النصوص المقدسة الأصيلة غير المحرفة، وتنقية الدين من الخرافات والسلطوية، وربط الوحي الإلهي بالعقلانية النقدية والتجربة البشرية، والالتزام العملي بذلك. فقط في ظل تعاون العقل والإيمان، والعلم والأخلاق، يمكن الوصول إلى مجتمع إنساني عادل ورفاهية حقيقية.