ذکريات رائعة من زیارت الاربعین

1713214125

الدکتور محمد فنائی اشکوری

تعریب: س. ر. منصوری

جاء الأربعین و حل الحزن في القلب    فجع العالم لمصاب زینب

أنین أهل السماء یطرق اسماع البشر     تأوه من تفجع صاحب الأمر

للأربعين مکانة مرموقة في الثقافة الشيعية. علی ما نقل إن جابر بن عبد الله الانصاري الصحابي المعروف، بعد مضي أربعين يوماً من إستشهاد أبي عبد الله (ع) وأصحابه، توجه الی زيارة قبره الشريف.

برفقةعطية بن سعد بن جنادة العوفي الکوفي، تلميذ ابن عباس ومفسر للقران الکریم. يقول عطية : وصلنا الی کربلا مع جابر بن عبدالله لزيارة قبر الحسين (ع) إغتسل جابر في شريعة الفرات وارتدی ثياباً حسنة وذهب صوب القبر الشريف ذاکراً الله عزوجل. ولأنه کان ضريراً طلب مني أن اوصله الی القبر. عند ما وصل الی القبر أغمي عليه ووقع علی الأرض ولما رششت وجهه بالماء إستعاد وعيه وأخذ يردّد : يا حسين(ثلاث مرّات)، فقال: لماذا لا تردّ جوابی يا حسين؟ وأجاب هو بنفسه: وانی لک بالجواب وقد ذبحت من الوريد الی الوريد وفرق بین بدنك ورأسك ! أشهد أنك ابن خاتم النبيين وسيد الوصين والخامس من أصحاب الکساء . فوجّهه التحية للحسين (ع) وأصحابه. وهکذا تشرف بان یکون أول زائرٍ لقبر أبي عبد الله الحسين (ع). ذکر هذه الرواية مع الزيارة والخطاب الذي وجهّه جابر لسيد الشهداء، تعدّ من المآتم الحزينة والتی تروی دوما في مجالس العزاء بمناسبة الأربعين.

علی قولٍ، بعد ما أخذوا سبايا اهل البيت الی الشام، في طريق عودتهم الی المدينة، طلبوا أن يمرّوا بهم إلى کربلاء. فدخلوا أرض کربلا في يوم الأربعين من إستشهاد الامام (ع) وأصحابه وبعد الزيارة وإقامة العزاء هناك التقوا بجابر بن عبدالله.  البعض قال؛ بأن الرأس الشريف قد ضمّ الی جسد سيد الشهداء المبارك ودفن معه. أنشد الحکيم الهي قمشه عن هذه الواقعة” علی خطوات الرکب الحسيني”:

أتت قافلة عشق الأميرٍ بلا معين ، نزلت علی تربة الأمير، في الأربعين

قافلة الشجن وجابر وآل الرسول  ، دفعةً عند القبر الشريف هووا نزول

وقعت أعين سبايا ديار دمشق    مرةً أخری علی مقتل سلطان العشق

البعض يضعّف هذا القول، لکنّه روي وليس من المستبعد ان أهل البيت في طريق عودتهم الی المدينة، قد اشتاقوا الی زيارة قبرأبي عبد الله (ع) فوجّهوا طلباً ليسمحوا لهم بالمرور من أرض کربلاء. هم غادروا کربلاء بعد مقتل سيد الشهداء تارکين جثث أحبائهم مقطوعة الرؤوس ممزقة ملقاة في صحراء کربلاء. فکان من الصعب لأهل البيت ان يعودوا الی المدينة من دون أن يعبروا کربلاء. بناءًا علی قول آخر، في يوم العشرين من شهر صفر المصادف لأربعينية أبي الاحرار(ع) قد تحرّکت القافلة من الشام نحو المدينة المنورة. والبعض اعتبر يوم الأربعين،اليوم الذي ورد فيه اهل البيت الی المدينة کما ورد في بعض المصادر المعتبرة، وكذلك جاء في مصادر معتبرة إن زيارة الحسين المشهوره بزيارة الأربعين مستحب في هذا اليوم. هناك رواية اعتبرت زيارة الأربعين إحدی علامات المؤمن. ينقل الشيخ الطوسي هذه الزيارة عن الإمام الصادق (ع): «السلام علی ولي الله وحبيبه، السلام علی خلیل الله ونجیبه، السلام علی صفي الله وابن صفيه…» فلهذا، واظبت الشيعة ومحبي أهل البيت (ع) علی زيارة الأربعين طوال قرون متمادية.

حل الأربعين والدموع تنهمر من بصري    کأن زينب الحزينة تعود من السفرِ

ذاع النعي والاشجان بکربٍ وبلا      قد وصل الی السمع من أسارى الشام خبرِ

کنت قد سمعت حکاياتٍ من أساتذتي الذين درسوا في حوزة النجف العلمية، عن زيارة الأربعين والسير مشياً من النجف الی کربلاء. ففي هذه المسيرة التي کان الطلاب والعلماء يذهبون سيراً علی الأقدام ليزوروا خامس أصحاب الكساء بمناسبات مختلفة ومنها الأربعين في أثناء السفر قدترى أحداث متنوعة، من الأعمال والعبادات والأدعية والبحث العلمي بين طلبة الحوزة وحدوث مکاشفات وأمور نادرة ومنها كما نقل، أحياناً التشرّف برؤية صاحب الأمر الحجة بن الحسن (عج). أحد الأساتذة کان يذکر لي ذکرياته عن المرحوم الشيخ أحمد الکافي (الخطيب الشهير لسنوات ماقبل الثورة الايرانية) الذي قد ألقی محاضرة حسينية في هذا الطريق. فکانت إحدی أمنياتي أن أتوفّق لهذه التجربة والسفرة المعنوية .

في السنوات الأخيرة بعد إستتباب الأمان نسبياً وتوفّر الأرضية المناسبة وانطلاق المسيرة الأربعينية سنوياً-من النجف الی کربلاء- کنت دائماً أترصد فرصةً للذهاب الی هذه الرحلة. لکن لم يحالفني الحظ وماكنت موفقاً الی أن في هذا العام قرّرت أن أقدّم وقلت لايجوز التريّث أکثر من هذا. قدّمت علی استحصال التأشیرة وکنت أبحث عن طريق الذهاب، لکن بسبب إزدحام الزوّار وصعوبة السفر  في أيام الأربعين، قد شابني بعض القلق والترديد، وصلت کلفة الرحلة الجويّة الی مليونين فقهراً غضيت النظر عن السفر جواً. الی أنّ في ظهيرة يوم الأربعاء (المصادف لـ 17/ من شهر صفر و19/ من شهر آذر لسنة 1393الايرانية) عزمت علی السفر براً. انطلقت في الساعة الثانية ظهراً في سيارة خصوصية وفيها ثلاثة مسافرين سواي، من شارع (چهارمردان) في قم باتجاه المدينة الحدودية، مهران. کان ثلاثة أفغان مرافقيي في السيارة وذويهم وأقاربهم علی إتصال بهم علی طول السفر ليضعوهم في أجواء الرحلة في کل لحظة، مما يدلّ علی العلاقات الوطيدة بينهم وذويهم. بعد حوالي عشر دقائق من انطلاقنا أشعل السائق سيجارة، فقلت له بصوتٍ خفيف:لا مانع لديناأن توقف السيارة کي تدخن سيجارتك في الخارج ثم نغادر. قال : لايمکن، سوف لن نصل الی الحدود في الوقت المناسب. تبيّن فيما بعد أن الحق کان معه لأن في کل عشر دقائق کان يدخن سيجارة واحدة فاذا کان يتوقف لکل سيجارة فکانت السفرة تطول عدة أيام. رضينا بأن يدع الشبّاك مفتوحاً قليلاً ليخرج الدّخان و نتحملّ ذلک. بعد قليل شغّل مسجله وبدأت أغنية سخيفة تطرق مسامعنا. قلنا : يا أستاذ نحن ذاهبون الی زيارة أبي عبد الله (ع)، وهذه الموسيقی لا تناسب هذه الايام. فأجاب بأنه يغلب عليه النعاس والنوم اذا لم يستمع الی الموسيقی فقلنا له استمع الی قصيده حسينية او موسيقی مناسبة علی الأقل. قال : لا أملك من هذا النمط شيءٍ وبالاضافة أنيلا أرغب في ذلك. ثم تنازلنا بأن يخفض صوت السماعات علی الأقل. دعنا من باقي تفاصيل السفرة. عند ما وصلنا الی ما يقارب عشرين کيلومتراً الی مدينة مهران، تفاجئنا بازدحامٍ شديدٍ للسيارات، حيث ما إستطعنا أن نقطع أکثر من کيلومتر واحد خلال ساعة واحدة فقط. اما السائق بما کان من أهالي المنطقة وجد طريقا من بين المزارع ودخل في طريق ترابي وخلصنا من ذلك الإزدحام ووصلنا الی مدينة مهران. تبعد المسافةحوالي 12 کيلومتراً من مدينة مهران الی النقطة الحدودية. کان الطريق المؤدي الی البوابة الحدودية مکتضّا بالمسافرين المتوجّهين الی الحدود مشياً. لسبب شحّ وسايل التنقّل فبين حين وآخر کانت تأتي سيارة “بيکاب” فتتقدم اليها مجموعة وترکبها بسرعة. بعد قطع عدة کيلومترات وصلت سيارة “بيکاب” من طراز “نيسان” وهجم عليها جماعة وأناأحدهم فتعلّقت بها بأي شكل حتّی أوصلتنا الی حوالي ثلاث کيلومترات من الحدود. أما بقية المسافة فمشيتها. دخلت الموقع الحدودي وأدرکت بأنه لا يوجد نظام ولاترتيب في الأمر، لاتفتيش ولا طلب فحص الجواز او حتى البطاقة الشخصية، وكنت قد حصلت على التأشيرة إلا أنه لم يطلب مني أحدٌ شيئا. دخلت بصحبة جماعة إلی الأراضي العراقية. رأيت عشرات الآلاف في ظلام الليل ينتظرون سيارة لتنقلهم إلی النجف وهم فاقدين الأملبذلك . لا تری سوىالجماهير الغفيرة شئ. لا باصاً واحداً او أي مرکبة أخری على الإطلاق. ياله من تنسيق و إدارة!

کان من الطبيعي أن يستولي عليك الشعوٌر بالخيبة، لأنه حتى لو أتت عشرات الباصات والشاحنات ما کانت تکفي هذا الجمع الهائل، والحال لنتری ولا مرکبة بسيطة. جاوزنا منتصف الليل. رأيت جماعة متجهة إلی طريق. سئلت شرطياً إلی أين يؤدي هذا الطريق؟ قال الی النجف وأول مدينة في الطريق هي بدرة. التحقت بالجماهير وبعد قطع مسافة، جاءت سيارة خصوصية فهرعت اليها جماعة ورکبها خمسةُ أشخاص. واصلت في المشي، فجاءت سيارة خصوصية أخری رکضنا نحوها فرکبناها مع جماعة أخری. السائق أرانا ورقتين (کل منها خمسون الف تومان) وقال بالعربي هذه أجرة کل مسافر الی النجف. قلنا حسناً، قال لا، ادفعوا الأجور أولاً لأتحرّک. دفعنا النقود فقام يعدّها مرّات ليتأکد من مقدارها فإنطلقنا. صاحبوني اربعة أشخاص أيضاً أفغان في الخلف بنفس التشكيلة التي جئت من قم الی مهران وأنا في المعقد الأمامي. راودتني الفکرة مرّات بأنه کم من المحتمل أن يکون السائق من الدواعش؟ لا علامة کانت تنفي هذه الفکرة لأن سيارته کانت خصوصية ولا تحمل أي علامة أو إجازة لحمل المسافرين. السائق کسابقه الذي عهدناه بدأ يدخن السجائر واحدةً تلو الأخری. وصلنا الی مکانٍ عند أذان الفجر حيث وجدنا أول موکب لإستضافة الزوّار. صلينا الصبح وتناولنا کاسه من الحمّص (لبلبي) بعنوان الفطور مع إستکان من الشاي الثخين الملئ بالسّکر.

يوم الخميس حوالي الساعة العاشرة والنصف وصلنا إلی مدينة النجف الأشرف. علی طول الطريق قاموا بتفتيش السيارة والإستفسار عن مبدأ ومقصد وهوية المسافرين بشکل مختصر في عدة نقاط سيطرة.

بمجرد أن دخلنا النجف، توّجهت صوب الحرم بدون تفويت الفرصة. لم نکن نتوقّع الوصول إلى شباك الضريح لکثافة الزوّار. قرأت الزيارة أمام الضريح وتحدّثت مع مولاي أمير المؤمنين (ع). بعد اداء صلاتي الظهر والعصر، سألت عن طريق کربلا للمشاية من الخّدام فأرشدوني علی أن أعبر من داخل السوق الکبير. تابعت المشي فعبرت علی جانب المقبرة (وادي السلام) الی أن وصلت الی مکان خارج المدينة حيث کان موکباً لخدمة الزوّار. كان طعام عبارة عن مقدارٍ بسيط من الثريد وقطع من الشحم عليه في إناء سفريّ. رميت الشحم في النفايات وتناولت الغداء الدّسم تبعه الشاي المعهود. سألت عن طريق کربلاء، عرفت بأن المسافة من حرم أمير المؤمنين (ع) الی حرم أبي عبد الله (ع) تبعد مائة وعشرة کيلومترات والعدد (110) أيضاً جديرٌ للانتباه. هناك سيارات كانت تنقل المسافرين الی کربلاء فإستغربت بعض الشئ! سألت شخصاً أليس من المقررّ أن نقطع المسافة مشياً؟ فأجاب نعم، لکن ليس بالضرورة کل الطريق بأكمله، ننزل قبل کربلاء ببضعة کيلومترات ونكمل ما تبقّي من الطريق. قلت في نفسي بالطبع لا إشکال فيه، اما إذا کنت أقصد المشي فهكذا يبدو لي غشاً وتسويغاً. قررّت بأن أقطع الطريق مشياً مهما کلّف ومادام رجلاي تساعدان. بالطبع الکثيرمن الزوار کان قد بدأ بالمشي قبلي. شعرت بلياقةٍ بدنية داخلي تمکّنني قطع مسافة حتی إذا بلغت الف کيلومتر، بلهفةٍ وإشتياق. بعد عدة کيلومترات رأيت حسينيات وخياماً تسمّی والمواکب التي تقوم بخدمة الزوّار علی جانب الطريق الرئيسي المؤدي إلى كربلاء. کل موکبٍ ينتمي إلی عشيرةٍ معينة ويسمّی باسم أحد المعصومين أو أهل البيت أو أصحابهم أو المضامين المرتبطة بهم، مثل موکب قتيل العبرات، الحوراء زينب(س)، علی الاکبر، عبد الله الرضيع، زيد بن علي، دعبل الخزاعي و… وکلّ من في الموکب من الشبّان المتلهفّين في خدمة زوّار أبي عبدالله يهتمّ بتوزيع أنواع الطعام والشرب بحبّ وحرارة. من هنا عرفت تدريجيّاً مدی ولاء ومحبة شيعة العراق تجاه أهل البيت (ع) وعلی الوجه الخاص بالنسبة إلی سيد الشهداء(ع). إن شدة هذا الودّ إلی آل بيت العصمة والطهارة الكامنة في قلوب شيعة العراق کانت حقيقةً جديدة بالنسبة لی لم أکن أتصوّرها قبل هذه الرحلة نهائياً.

يتجسّد هذا الحبّ والتضحية علی صعيدين: الأول في الجماهير من الرجال والنساء والشبّان والشيوخ الذين يأتون مشياً علی الأقدام وأحياناً حفاة ليذهبوا في هذه الايام الی کربلاء رغم کل المخاطر والتهديدات وإنعدام الأمن ولفت إنتباهي مضامين كتبت علی رايات ملصوقة علی الخيام منها: “لو تمطر دواعش هم نزور الحسين” أو «لو قطّعوا أرجلنا واليدين  نأتيك زحفاً سيدي يا حسين»

المشرفين علی موکب خدّام علي الأکبر في النجف الأشرف کتبوا هذه الأبيات:

تمشي اليك توسلاً خطواتي              وأعدّها إذ أنّها حسناتي

ووددت لو أنّ الطريق لکربلا            من مولدي سيراً لحين مماتي

لأنادي في يوم الحساب تفاخراً           أفنيت في حب الحسين حياتي

أمّا على الصعيد الثاني من المشاهد، هو تواجدُ أناس يقدّمون الخدمة للزّوار بکلّ حبّ واشتياق ومن صميم قلبهم بحيث يعجز البيان من وصفه والقلم من توصيفه على السطور. يشارك في هذه الملحمة الإنسانية والروحانية من کلّ الأصناف من صغير وکبير طفل وشيخ بتقديم کلّ ما لديهم بسخاء وکرم لزوّارالحسين (ع) بإحترام. تتسابق العشائر في تقديم الخدمات بکلّ رحابة. ولا يشوب هذا السباق الرياء، بل العكس يعتبر من باب “فستبقوا الخيرات”. يتجلّی الصفاء والنقاء والحبّ دون الرياء علی وجوه المشاركين. قد کتبوا علی موکبٍ: «لا تسألني ابن من، والأهل أين، هاك اسمي خادماً عندالحسين»

إن هذا التکريم والإطعام لا يکون علی سبيل دفع الصدقه الی المسکين، بل ينظر اليهكما يستضاف أعزّ الضيوف. ليست تقديما لخدمات من أجل الحصول علی مکافئة بل يرحبّون بمن حلّ عليهم کضيف بکل إمتنان ويعتبرون هذا العمل شرفاً وفخراً. تشاهد هذه العبارة علی کثير من المواکب کموکب طريق النجاة لعشيرة الخفاجة: “حبّ الحسين هويتنا وخدمة زوار الحسين شرف لنا”.

وعلی موکب خدّام سفير الحسين(ع)لافتة فيها:کل الخدم تنهان شفناه بالعين* بس بکرامة تعيش خدام الحسين(ع)

وفي مکان آخر: “حبّ الحسين يجمعنا دوماً خدام الحسين”.

اما شعار موکب سبايا نينوا کان: “والله لن تمحو ذکرنا ولن تميت وحينا”

أيمکن للدواعش واقرانهم أن يخضعوا هكذا شعب؟!

کان قد کتب علی لافتة هذا الحديث من جامع السعادات للمرحوم النراقي: «جاهل سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل» الأمر غير مقتصر على كتابة هذه الشعارات وإلصاقها هنا وهناك وحسب، لأنّ کتابة الشعار بالمضامين العالية ليس أمراً صعباً ويحسنه الكثير. ما هو يتعدّی الشعار ويفوقه هو أن تری الأداء المتجسد في حس الإستضافة والسخاء. تری أمرأة قروّية بوجهٍ حرقته أشعة الشمس حافية وتفطّر کعبي قدميها من أثر حياتها القاسية، جاءت من منطقة نائية قاصدةً کربلاء تصحبها شاةٌ لعلّها تعدّ کل ثروتها، جعلتها قرباناً لزوّار سيد الشهداء. أو مشهد ذلك العجوز الجالس في وسط الشارع وهو يحمل طبقاً من التمر علی رأسه و تلتقط منه الزوّار، وشابٌ بنفس الحالة علی رأسه طبقاً من الطعام والآش، وشخص واقف خلفه يوزّع أواني الآش علی الزوّار وصبيٌ يستضيف الناس بالقهوة المّرة وطفل بالزيّ العربي (الدشداشه) يحث الزوار علی شرب كأس من الشربت.

ما عهدناه من کرم وسخاء العرب كالمضامين الأسطورية في قالب الشعر والأدب، قد رأيناها جليّاً بأمّ أعيننا فصدّقناها. لا تعجبوالو سمعتم خبراً لسائق سيارة أجرة في وضعٍ لا يحسد عليه في هذه السنة، لأن لا يملك ما يقدم للزوّار قد قامببيع سيارته التي هي بمثابة کلّ ثروته وکان يتعيّش منها ويرتزق رزقاً حلالاً طيباًبها.

لا تشکلوا علی أنّ هذا عملٌ غير صحيح، بالطبع الحق معکم، لکن أنا أتحدّث عن الإنتماء ومدی الحبّ والشوق الذي يكمن في داخل هؤلاء تجاه أهل بيت الرسول(ص). کلّ شيءٍ کان جميلاً وحلواً، من الشاي الحلو الشديد الحلاوة إلی القهوة المرةّ الشديدة المرارة.

طول الطريق من النجف الی کربلاء مليئ بالشعارات، الأحاديث والأشعار الراقية والحکيمة، وتصاوير الشهداء. أحياناً تری في هذا الطريق نموذجاً صغيراً من صحراء کربلاء، في مشهدٍ محبب علی جانب الطريق، قد وضع صور وأسامي لشهداء کربلاء مع التحية والسلام عليهم وعلی جانب آخر تری صور وأسامي الأشقياء مع اللعن والعار،على سبيل المثال كتب بجانب صورة حبيب بن مظاهر:”السلام علی حبيب بن مظاهر” و الی جانب صورة قبيحة لأحد الأشقياء کتب:” لعنة الله علی شبث بن ربعى”

صور لشهداء جرائم النظام البعثي والفرق التکفيرية والإرهابية وصورالشخصيات العظيمه والعلماء أعطت للمکان وللشوارع والأزقة جمالية وبهجة.

وکانت صورة سيد شهداء السلام في القرن الخامس عشر الشهيد محمد باقر الصدر تشعّ من بين جميع الصور كأشعة الشمس. هنا وهناك تری صوراً للإمام الخميني الکبير والسيد القائد الخامنئي مصحوبة بإرشادات منهم. شاهدت صورة لأم الشهداء الأحد عشر الذين استشهدوا علی يد التکفيريين الجبناء القساة والمتحجري الأفئدة والأدمغة.

علی طول الطريق يسمع صوت الرواديد الحسينية والنعي واللّطم عبر السماعات في أغلب المواکب. الرواديد وقصائدهم علی مستوی راقٍ جداً من الإتقان وحزينة وتحنّ اليها القلوب في نفس الوقت، حسب ما کنت أفهم من اللهجة المحلية تبدو بأنها تحتوي علی مضامين وأحاسيس عميقة وعرفانيّة.

القلوب حزينة علی ذکر کرب وبلاء  حلّ الأربعين لنريق بدل الدمع دماء

اللافتات والشعارات والإنتاجات الثقافية المعروضة علی الناس تستحسن الأنظار وتعني الکثير، کما المشاهد من سلوك الجماهير، ايضاً تُثير الإعجاب والروعة، بحيث لا يمکنني أن أخطّها في سطور لضعف قلمي وإنشائى وضيق المجال من الممكن أن تجمع التقارير والتحليلات من دقائق وجزئيات هذه المسيرة وعجائبها في کتاب ضخمٍ.

أن من الأمور المطلوبة الأخری المستشرية في جميع مناطق العراق، إرتداء وإلتزام النساء الکامل للحجاب. فلاتری حجاب ناقص أو لبس غير مناسب أو تصرّفاً سخيفاً ومريباً، ولو لمرّة وهذا لا يختصّ بالأماکن المقدسة بل سائدة في کل المدن والقری علی طريق مسيرة الأربعين، هذه الظاهرة يجب أن تخضع للدراسة. کيف ولماذا قد ترسّخ الإلتزام بالحجاب بهذا الشکل والحالة دون أن تقوم جهة حکومية أو تنفيذية لفرضه علی السيّدات. علماً بأن في العاصمة بغداد وسائر المدن الکبيرة توجد ظاهرة التبرّج، لکن الأمر يختلف عندما يرتبط بالعتبات المقدّسة کالنجف وکربلاء والمناطق المتاخمة لها.

علی العموم بعد حوالي خمس ساعات من المشي، حان وقت أذان المغرب، دخلت موکباً وصلّيت وما إن قمت وقصدتُ الذهاب، حتّى خاطبني عجوز هکذا: إلی أين أنتمسرع ؟ إصبر، تناول العشاء ثمّ إنصرف. خضعت للأمر، تناولت العشاء مع جماعة أخری من الزوّار الإيرانيين الحاضرين في المواکب. کان العشاء يحتوي على الرّز مع مرقٍ يشبه اللّحم المسحوق والمدقوق. أخذ الزوّار ينامون بعد العشاء. کما أنني أصبحت مرهقاً وشعرت بالنّعاس أيضاً لأنني لم أنم منذ حوالي ثلاثين ساعة فنمت ساعة واحدة، ثم استيقظت. کنت أتوق إلی مواصلة المسيرة. العجيب أن المدة التي أخذني النوم وهي ساعة واحدة فقط، أزالت عني التعب والإرهاق و انطلقت وحيداً بشوق وتلهّف. قلّ ما تجد زائراً سالکاً في الطريق في هذه الساعة. رغم أن بعض المواکب لم تتوقف في تقديم الخدمات.

عند حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل سمعت صوتاً مألوفاً؛ صوت الرادود الإيراني يذاع من سماعة موکب مسجد جمکران، تقدّمت، فرأيت خادماً شاباً. بعد التحية والسلام تبيّن بأننا أهل مدينة واحدة (مدينة قم). مدينة الشهيد زين الدين.

سألته کم بقيت من المسافة الی کربلاء. فأجاب: 60 کيلومتراً. بعد تناول کوب حارّ من الحليب بالکاكاو من يده، ودّعته وتفارقنا. علی بعدٍ قليل من موکب مسجد جمکران، کان يقع موکب الإمام الرضا (ع) شباب الإمام الخميني (ره) واصلت طريقي حتی الفجر دون وقفة…

قبيل أذان الفجر دخلت أحد المواکب لأداء الصلاة، شعرت بأنني بحاجة إلی الإستراحة بعد طلوع الشمس، إستلقيت في زاويةٍ بجنب بقية الزوّار لمدة ساعة تقريباً ثم أفقت من النوم. کنت أرتّب فراش النوم فإذا بصبيّ في الثالثة عشرة من عمره هرع إليّ وأخذ الغطاء من يدي بإلحاحٍ وما سمح لي أن ألملم الفراش ليقوم هو ذلك! استغربت مجددّاً کيف لصبي بهذا العمر الذي ليس من عادته أن يلملم فراَش نفسه إلاّ بإكراهٍ وتوبيخ، هکذا يسرع في الخدمة بشکلٍ طوعيّ، والحال لا أعرفه ولايعرفني ولايراقبه أحدٌ من والديه حتی يرغمانه أو يُشجعّانه علی هذا العمل! بارك الله في هذا الأسلوب وفي هذه التربية. ما واجهت مشکلة لتناول الفطور في الصباح، المواکب تقدّم أنواع المأکولات مثل الحليب، الهريسة، المحلبی، والبيض والخ… والخبز العراقي المدّور دائماً في متناول اليد. سرت في الطريق مشياً بعد تناول وجبة الفطور.

اليوم الجمعة 19 من شهر صفر. کلّ ما تتقرّب أکثر من ملتقی العشّاق ومَعين الشمس تزداد عدد الجماهير والزخم أكثر. لألخصّ الكلام، قطعت الطريق في ذلك اليوم حتی الغروب وساعات من الليل الی أن وصلت جامع کربلاء المقدسة عند الفجر وصليت فيه صلاة الفجر جماعةً وحوالي الساعة الثامنة من يوم الأربعين وجدت نفسي في ملحمة بين الحرمين مع الجماهير المحبّة والمضحية لمولاهم سيد الشهداء(ع). الموقف في تلك اللحظات لايوصف. فأنا معقود اللّسان، تارةً ألقی نظرةً الی مرقد أبي الأحرار والعارفين وتارةً  أخری الی مرقد قائد جيشه الباسل الوفيّ.

قلتُ يا مولاي وسيدي، قرأت زيارتك أکثر من مرّة، لكن اليوم لا أريد قراءة الزيارة. جئت اليوم لأتفرّج علی قبتك ومقامك عن کثب. لا أريد أن تصدر مني أصوات ناتجة عن لقلقة لساني. أُحبّ أن أذوب في هذا المشهد وبما أنّني لست مؤهلاً للذوبان في بحر فضائلكم فمن المؤمّل أن تردّون حيثما أنا أناديکم «أشهد أنك تشهد مقامي وتسمع کلامي وتردّ سلامي» لکنّي أنا غير مؤهلٍ للنيل من هذه المعرفة الحضورية فلهذا أغتنم هذه اللحظات التي أكون في مشهدکم. مع أنّني أدعو الله عزوجلّ أن لا يجعله آخر العهد منّي لزيارتکم، ومن المحتمل ألا يتكرّر التوفيق لي أبداً. بينما كنت قد تسمّرت في مكاني في زاويةٍ بين الحرمين ترائ لي بأنّ الزمان قد توقّف وكلّ شئٍ تجمّد حواليّ. ثم بعد عدة ساعاتٍ أدرکت بأنه حان وقت المغادرة. مع هذا الحشد الميليوني المحيط بي، ليست العودة بهذه السهولة، حالما قصدت العودة وجسدي کان يتأهبّ لذلك، روحي بأکملها لبثت هناك وتعلّقت بالمکان فللتوّ شعرت بألم في رجليّ وعلمت أنّ قدميّ جرحت خلال المسيرة كما جرحت أکتافي و ظهري بسبب حقيبتي الثقيلة لمّا کنت أحملها علی کتفي وعلی اثر المشی وقلة الإستراحة أصبح جسمی مرهقاً وعضلاتي متقلّصة، لکن ياله من ألمٍ ممتعٍ ومسلّي. سألت عن طريق العودة إلی ايران، فقالوا الطريق الوحيد في الظروف الراهنة يکون عبر النجف ثم إلی المدينة الحدودية مهران. سألت عن مکان أو موقفٍ لسيارات النجف. فالإجابة کانت:”دعك من السيارات الملايين من الزوّار متّجهون صوب النجف، اذا تريد الذهاب الی النجف فتوکّل مشياً من المحتمل أن يقلّوك السيارات العابرة الی النجف”. لم يکن طريق امامی سوی السير علی الأقدام ولا أثر من السيارات  مع الفارق أنّ هذه المرة في طريق العودة لم أکن أملك نفس الشوق الذي شدّني إلی کربلاء أو القدرة الجسدية السابقة. أشعة الشمس كانت حارّة ويزعجك الهواء الملوّث من الغبار بحركة السيارات والزوّار. أحياناً کنت تری الناس يهجمون علی شاحنة أو تريلر يمربالطريق. ويرکبون علی السقف أو يتعلقون بأطرافها. قطعت الطريق حوالی 20 کيلومتراً إلی أن وصلت شاحنة وتعلّقت مع جمعٍ آخر بأطرافها ورکبناها بشق الأنفس. نظراً لکثافة الرکّاب کان الضغط إلی حدٍ يمکن أن يؤدي إلی الإختناق أو کسر أضلاعنا في حال عدم أخذ الحيطة والحذر. هکذا قطعت مسافة أخری. الشاحنة نقلتنا الی مکان آخر ثم ترجّلنا وواصلت لعدة کيلومترات أخری. إستطعت أن أرکب شاحنة أخری مع جماعةٍ أخری. لا أدخل تفاصيل ما جرى بنا في تلك الشاحنة، وأخيراً وصلنا الی النجف ومازلنا علی قيد الحياة! بعد تفحّصٍ يسير، حصّلت سيارة من طراز “کية” ممتلئة من المسافرين ومتوجّهة الی مهران ولحسن الحظ فيها مقعد واحد فارغ فرکبتها وانطلقت بنا الی مهران. الطريق الأصلي الی مهران کان مغلقاً لسبب أمنيّ. فدخلنا الی طريق آخر وأبعد بأضعاف. شاهدت في هذا الطريق نفس المشاهد في طريق النجف-کربلاء. علی طول الطريق کان الناس يوقفون السيارات ليخدموهم. هذه الظاهرة باتت مألوفة عندنا عند أيّ قريةٍ أو بلدة تقع علی طول الطريق بين النجف الی حدود زرباطية (علی الجانب العراقي).  يوقفون السيارات للإستفاضة وتقديم الخدمات. أين تری مثل هذا السلوك في العالم؟ الذين يقطنون المناطق السياحية في العالم يحاولون کلّ المحاولة کي ينتفعوا من السيّاح بأکثر قدرٍ ممكن. الحالة أشبه بالقصص الأسطورية منه إلى الواقع. أناسٌ مصرّين علی المسافرين بکل احترام وفخر ويقبّلون أيديهم وأرجلهم وأخيراً يشايعونهم. يا للعجب، هذه هي معجزة الدّم الطاهر لسبط خير الوری! أجل، مع حلول أذان المغرب توقّفت سيارتنا بإصرارٍ من أهالي قريةٍ تابعة لمدينة الکوت فدخلنا إلی حسينية. الأهالي استضافونا بعد الصلاة بحرارةٍ ومحبة. في البداية الشاي العراقي المألوف و تبعه الرزّ مع المرق ما يسمی بالقيمه العراقيه وکوباً من شربت السکنجبين وآلاف الألوف من الألف والمحبة تلقيناها من الحنان والإحترام مع الأكل والشرب . فحياة الناس هناك كلّها متأثرة بأجواء إحياء ذکری استشهاد أبي عبد الله(ع) وإقامة المآتم. وأخيراً وصلنا إلی الحدود حوالی منتصف الليل. لمّا دخلت الأراضي الايرانية حمدت الله کثيراً لما وفقني أن أنهی السفرة المفعمة بالخير والبرکة والأمان . والآن أبين عما جال في داخلي وأعترف بيني وبين الله بأني کنت علی أهبة الإستعداد لحصول أي حادثٍ وکنت أحمل شعوراً يقول لي أيُّ سعادة وعاقبة خير من أن أنهی عمري البخس والرخيص في سبيل زيارة قرة عين فاطمة الزهراء(س) .

علی أي الحال، کانت المنطقة الحدودية ما بين الحدود إلی مدينة مهران داخل ايران مکتضّة بالمسافرين. قطعنا المسافة التي تبعد حوالی 12 الف کيلومتراً نمشی في مدينة مهران. سمعت سائقاً ينادي: قم مقعد واحد فارغ 130 الف تومان. صدّقوني أنه کان صاحب سايبة، مع ثلاثة أفاغنه في المعقد الخلفي و المقعد الفارغ الوحيد بجنب السائق!

الغاية من هذا التقرير الملخّص، وصف يسيرلبعض المشاهد من ضمن هذه الملحمة المعنوية العظيمة، ولأتأمل فيه مرة أخری وکحصيلة سفرٍ لأصدقائي وأحبائي ومن يهمه الأمر. أعتذر، لم آتی بتحفةٍ سواه، صدّقوني لم أجلب أی شيء لأی أحد. ما کان يطرأ شيء علی بال أحد بإسم تحفة السفر هذه تُحفتي وعذراً للتقصير.

الغاية الأخری من هذه السطور هو تقدير الشعب الذي هو دوما مستهدف من قبل معاندي أهل البيت(ع) ويتحمّل الويلات والقتل والدمار والتشريد علی مدی قرون من زمن خلفاء الجور إلی حکم الطاغية صّدام المقبور إلی زماننا هذا حیث ماتقوم به الجماعات التکفيرية من اعمال بربرية وجنايات لکن الشعب لم يتراجع قيد أنملة. الشکر کل الشکر للشعب العراقي الکريم وأوجه الشکر الی من قدّموا الغالی والرخيص لإستضافة الزوار واثبتوا ولائهم للحسين(ع) من صميم قلبهم. أتمنّی أکون قد استطعت ان أتعلم شيئا من هذا الولاء والإيثار المثالي.

أسألك بصوتٍ منخفض أيها المواطن العزيز؛ العراقيون يأتون لزيارة علی بن موسی الرضا عليه الآف التحية والسلام وکريمة أهل البيت فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) بأمل وشوق إنهم يتوافدون إلی مدينتي قم ومشهد المقدستين. کيف تکون إستضافتنا لهم حولوا الإجابة  علی ضميرکم.

ونحن كانما لم يکن شيئاً مذکوراً علی الإطلاق…لم يکن القصد من هذا التقرير المدح الذاتي أو الرياء لاسمح الله-بالرغم من أننا يجب أن لا نغفل من مکايد النفس- ولا هو مدح الآخرين ولا الغلو الناتج من أثر الأجواء المحيطة، الغاية هي استخلاص الدروس وأن نخطو خطوةً الی الأمام. إذن دعوني أن أقوم بتقييم ونقد هذه المراسيم (المسيرة الأربعينية) وفي عجالة، لا أقصد التبطّر وعدم الإنصاف، ولا التقليل من شأن أحد أو القاء اللوم علی أحد ولا الشکایة أو الإساءة و… بل الله هو الشاهد، الهدف الوحيد هو قصد الإصلاح والدافع هو الإحترام والمحبة والأمل للتطوّر ورفع المشاکل والقضاء عليها.

أول ما واجهت من الظاهرات السلبية المستشرية في کل الأماکن التي دخلتها، هی تردّی الجانب الصحي والنظافة، الوضع المزدري السائد دون شأن هذه الأماکن المقدسة والشعب الأبي الأصيل. کأن الناس بأجمعهم-من الضيوف والمضيّفين- يساهمون في تلويث البيئة بأکثر قدرٍممکن وقلّ ما تجد أحداً أوجهة تهتمُّ بالنظافة وإزالة النفایات هناك. مما لاشك فيه الحشد الميليوني للمسافرين الوافدين، يؤدّي الی إيجاد النفايات وإزالتها ليس بعملٍ هيّن ونحن نستوعب هذا. لکن المشکلة هناك أعظم وأوسع، رغم توفير المخازن وأماکن محددة لرمي النفايات فيها، الکثير کان يرمی الزبالة أو ما تبقّی من الطعام والفواکه، في أي مکانٍ يحلو له. الأوعية السفرية وقنينات مياه الشرب أو أي حاجة اخری تشمل هذا التصّرف. الأماکن التي ليست في طريق الزوّار أيضاً تعاني من نفس المشکلة. لكن المدن الشيعیة التي تعد الأکثر قداسة يجب أن تحظی بالنظافة والجمالية بنسبةٍ عالية قياساً الی باقي المدن في العالم، والوضع الموجود ابداً لا يناسب مکانة هذه المدن. لم أری لافتاتٍ و ارشاداتٍ تحث على النظافة بمقدار اللافتات و الإعلانات و الرايات الدينية والشعارات القيمة . لأكون صادقاً شاهدت لافتةً من القماش عند موكب عشاق الحسين، كلية جامعة الكوفة كتب عليها “المحافظة على نظافة المواكب دليل على وعى الزائر الحسيني” الذي فرحت برؤيته و أحسست بالأمل. هذا الإعلان ینبأ على وعى أشخاص ولو عدد ضئیل قد استوعبوا هذا الأمر للوصول الى حالة مطلوبة. ومن الضروري التثقيف والتعليم والتعبئة الجماهيرية للتنظيف و التجميل و يجب على محبي اهل البيت بما فيهم الحكومتين العراقية و الإيرانية و الشعب العراقي و الزّوار أن يتوحّدوا لتحلية المدن المقدسّة کی تظهر بأعلى درجة من النظافة والجمالية. هذه القضية مرتبطة بماء وجه الشيعة جمعاء.

المعضلة أو بالأحرى الأزمة الأخرى هي أزمة التنقل. نتيجة فتح الحدود والهجوم الرهيب لحوالي ميليون و نصف میلیون زائر من جهة ايران نحو العتبات المقدسة؛ أما في المقابل الخدمات المتوفّرة لا تكفى لتلبية حاجات حتي مائة الف مسافر. سواء في الذهاب و سواء عند العودة, المسافة ما بين النقطة الحدودية و أول المدن من الجهتین العراقية والإيرانية تخلو من وسائل التنقل. الأمر الذي أدّى إلى حيرة و إرهاق و تعب مئات الآلاف من الزوّار على جانبي النقطة الحدودية. ونفس هذه الأزمة في طريق العودة من كربلاء الى باقي المدن الجنوبية العراقية والحدود الايرانية. لكن ليس من المعقول أن يسمح لعددٍ غفیر من المسافرين الدخول الى بلدٍ مع عدم توفَّر الخدمات الكافية للتنقل. واذا لم يكن لشعب العراقي قد أقام المواكب لخدمة الزوّار, و بشكل عفوّي, بالطبع كنّا قد نواجه أزمة الطعام و المبيت لكن لحسن الحظ و بإهتمام هذا الشعب الولائي لم نشاهد اي مشكلة في هذا الجانب. لا فقط لم نواجه أي مشكلة من الناحية الغذائية، بل كثرة ووفور النعمة كادت أن تتحول إلی مشكلة أخری على حد ذاتها. حسن الضيافة علی الزوار الكرام ان ينتبهوا الى هذه النقطة و أن لا ينسوا الغاية المتوخاه من هذه الرحلة. لا ينبغي أن تتحول مسيرة الأربعين إلى رحلة سياحية مسلّية و ممتعة بتقدیم أنواع الأطعمة و الأشربة بعنوان حسن الضيافة. الصحيح أن الزائر لا يفرّط في الأکل و الشرب و النوم  ويتحمّل قليلاً من الصعوبة و المتاعب و أن يركزّ على الجانب المعنوي و الإستفادة من الموائد السماوية من الأطعمة و الأشربة الروحية.

حاول أن تخلي الوعاء من الخبز * لتصعد إلى الأعلى و يمكنك القفز

والهدف من هذه الرحلة أن نصل الى مقتل المولی المقطوع الرأس و قائد جيشه المقطوع الكفين. لست أنا الحقير الأقل من وجه هذه النصائح، بل أنها كلام الإمام الناطق بالحق جعفر بن محمد الصادق(ع) الذي قال:”اذا قصدت زيارة الحسين فزره و أنت حزين، مكروب، شعث، مغبر، جائع، عطشان”(كامل الزيارات, حديث 376)

ملحمة الأربعين مضهر لقدرات وقابليات الشيعة اللامتناهية والتي لا مثيل لها ببركة دم سيد الشهداء(ع). هكذا إنسجام و تلائم و تولّي لم يسبق له مثيل في العالم. مقارعة الاضطهاد و طلب العزة و الحرية بهذا الشوق والحرارة و المروءة تتجلّى في الثقافة العاشورائية.

لا الفرق التكفيرية و لا أي قوی أخرى لا تستطيع الوقوف أمامها اذا خضعت هذه الحشود الميليونية من الشبّان المشتاقين للتثقيف و الإدارة المناسبين. لكن للأسف ضعف الإدارة و التنظيم المناسب أدّى إلى عدم الاستفادة من هذه الطاقة اللامتناهية. فلتحقیق ذلكالأمر یتطلب أن يفكّر العلماء و زعماء القوم ليجدوا له حلّاً أساسياً.

هذا كان موجزاً ملخصاً من ذكريات الأيام الثلاثة من حضوري في أرض العراق لا أنساها أبداً رغم كل المشقات و الصعاب كانت من أحلى أيام حياتي. حلاوة زيارة التربة التي تقبّلها الملائكة لا تزول من ذائقة أيّ زائر. و ما شاهدته من إستضافة أهالی هذه العتبات المقدسة كان كله حلو و جميل.

و ما كتبته في هذه السطور ماهو الإ قطرةٍ من المحيط.

ربّما بوسعهم نقل إلى المدينة غصن من البستان * لكن كيف يُحمل البستان والأشجار إلى مكان ،

خاصة وأنّ البستان،الكون كورق شجرٍه * بل البستان هو اللّب و الكون قشره.

Leave a Reply